أبي منصور الماتريدي
416
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ . قد ذكرنا تخصيص بروزهم لله يوم القيامة أنه - والله أعلم - أنشأ هذا العالم الأول للعالم الثاني ، فالعالم الثاني هو المقصود في إنشاء هذا العالم ، فخص بروزهم يومئذ له ؛ لما هو المقصود في إنشائهم . وقال قائلون : تخصيص البروز له يومئذ ؛ لأنهم يخرجون من قبورهم للحساب لا لغيره ، فهو يحاسبهم ؛ فأضاف البروز إليه ؛ لما لا يخرجون إلا له ، وأما في الدنيا : فإنما يخرجون لحوائج أنفسهم ؛ لذلك خرج التخصيص له والإضافة . وقوله : وَبَرَزُوا لِلَّهِ : يحتمل وجهين : أحدهما : برزوا له مستسلمين خاضعين ، قابلين « 1 » طائعين ، ولم يكونوا في الدنيا كذلك . والثاني : يبرزون له ؛ لما وعدوا وأوعدوا ؛ بارزون لوعده ولوعيده ، ولما دعوا إليه ، ورغبوا فيه . والثالث : يبرزون له ؛ لما لا يملكون إخفاء أنفسهم وسترها ؛ بل ظاهرين له . وقوله - عزّ وجل - : الْواحِدِ الْقَهَّارِ . [ الواحد : ] « 2 » الذي لا شريك له ، والقهار : يقهر الخلائق كلهم ؛ ويغلبهم : الجبابرة ، والفراعنة . أو يبرزون له ليجزيهم ، على ما ذكر تعالى لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ . سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ . وذكر مِنْ قَطِرانٍ : قيل « 3 » : ( القطر ) هو النحاس [ و ( آن ) أي : قد انتهى حره ، كقوله : وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [ الرحمن : 44 ] . وقيل « 4 » : الصفر وقال بعضهم « 5 » مِنْ قَطِرانٍ أي : من نحاس أنى لهم أن يعذبوا به ] « 6 » . وقال بعضهم : هو من القطران المعروف الذي يطلى به الإبل ؛ ذكر هذا لأنه أشدّ إحراقا واشتعالا .
--> ( 1 ) في أ : قائلين . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 20986 ) ، وعن سعيد بن جبير ( 20989 ، 20992 ) والحسن ( 20993 ) والربيع بن أنس ( 20994 ) ، وانظر : الدر المنثور ( 4 / 170 ) . ( 4 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير عنه ( 20998 ، 21000 ) . ( 5 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير ( 20995 ) ، وعبد بن حميد وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 170 ) . ( 6 ) سقط في أ .